الغزالي
66
الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل
والمشهود له على لسان من أثنى عليه من عظماء تلامذته ، بأن الخوارق مصنوعة للّه على يده ، بقوله : « إن يسوع النصارى ؛ رجل ظهر بينكم بالقوى والآيات التي فعلها / اللّه على يده » « 1 » . وإذا كانت هذه حالته عليه السلام ، فكيف يركن العاقل إلى ما لا يعلم حقيقته ، مع إمكان علمه ، وينبذ المعقول والمنقول حجرة ؟ ! وأما النسطوري « 2 » ، فيقول : إن الاتحاد وقع في المشيئة . وهذا كلام مثبّج يجب تحريره . فإن عنوا بذلك ، أن مشيئة عيسى عليه السلام تابعة لمشيئة الإله في الأحكام الخمسة ، لا تباينها في واجب ، ولا محظور ، ولا مندوب ، ولا مكروه ، ولا مباح ، فهذا ثابت لجميع الأنبياء ، بل وللأولياء « 3 » أيضا ، الذين
--> ( 1 ) انظر : أعمال الرسل - الإصحاح الثاني - ( 22 ) . ( 2 ) النسطوري : هو نسطور الحكيم الذي ظهر زمن المأمون ، وإليه تنسب طائفة النسطورية من فرق النصارى ، وهم يقولون : إن اللّه تعالى واحد ، والأقانيم ثلاثة وهي غير ذاته ، وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح لا بمعنى الامتزاج ، أي أشرقت عليه كإشراق الشمس من كوة على بلور . ومنهم من قال : إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة هي ناطق موجود ، وصرحوا بالتثليث كالملكانية . ومنهم منع ذلك . وقالوا : إن الصلب ورد على الناسوت دون اللاهوت . انظر : « الملل والنحل » ( 2 / 251 - وما بعدها ) و « الجواب الفسيح » ( 1 / 80 ، 235 ) . ( 3 ) قال الشوكاني رحمه اللّه تعالى : « في الصحاح : والولي ضد العدو . انتهى . والولاية ضد العداوة وأصل الولاية ؛ المحبة والتقرب ، كما ذكره أهل اللغة ، وأصل العداوة البغض والبعد ، قال ابن حجر في « فتح الباري » : المراد بولي اللّه العالم باللّه تعالى [ المواظب ] على طاعته ، المخلص في عبادته ، انتهى . وهذا التفسير للولي هو المناسب لمعنى الولي المضاف إلى الرب سبحانه . ويدل على ذلك ما في الآيات القرآنية ؛ كقوله سبحانه : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ [ يونس : 62 - 63 ] . ثم قال رحمه اللّه : « وأفضل أولياء اللّه ؛ هم الأنبياء ، وأفضل الأنبياء هم المرسلون ، وأفضل الرسل هم أولو العزم ؛ نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد . وأفضل أولي العزم ؛ نبينا محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم » . ثم قال : « واعلم أن أولياء اللّه غير الأنبياء ليسوا بمعصومين بل يجوز عليهم ما يجوز على سائر عباد اللّه المؤمنين . لكنهم قد صاروا في رتبة رفيعة ومنزلة علية ، فقل أن يقع منهم ما يخالف الصواب وينافي الحق ، فإذا وقع ذلك فلا يخرجهم عن كونهم أولياء للّه » .